الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عطية بن عبدالله الباحوث

تم بحمد الله افتتاح الموقع غرة رمضان 1433 هـ

Please reload

مواد نصية أخرى

الدعاء المستجاب

October 25, 2016

 

 
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ومجيب الداعين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله قدوة الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].
 
أما بعد:
فإنه لا أحد أفقر منا إلى الله ولا أحد أغنى من الله، وكل فقير لا يستغني عن أغنياء الدنيا فكيف بالغني الحميد سبحانه. وإن الدعاء من أروع العبادات وأعظمها شأناً عند المسألة ولذا رتبه الله عز وجل في مقام العبادات.
 
قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60].
 
وفي الحديث: ((عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في قولِه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قال: الدعاءُ هو العبادةُ وقرأ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إلى قولِه دَاخِرِينَ )) أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
 
هذا طلب من الله لنفع عبده بالدعاء، والله هو الغني الحميد، فهو غني عن دعائنا، وغني في عطائه وحميد لمن أطاعه ومعذب من عصاه ويعفو عن كثير.
 
فمتى وقف المؤمن بين يدي ربه بقلب خاشع وطرف دامع وذل كامل فقد تحقق موعود الله بإجابة الدعاء.
 
وقد نوع الله نتائج الإجابة لحكمة أرادها الله ليتحقق لعبده الفوز في الدنيا بالدعاء والفوز في الآخرة بجزيل العطاء فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((ما من مسلمٍ يَدْعُو بدعوةٍ - ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ -؛ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاثٍ: إما أن يُعَجِّلَ له دعوتَه، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرةِ، وإما أن يَصْرِفَ عنه من السُّوءِ مِثْلَها، قالوا: إذَنْ نُكَثِّرُ؟! قال: اللهُ أكثرُ)) رواه الترمذي في الدعوات وصححه الألباني.
 
فالأمر إلى خير على كل حال فمن رفع يديه إلى السماء لن يردها الله أبداً بلا عطاء لأنك تتعامل مع أكرم الأكرمين، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ ربَّكم تبارَكَ وتعالى حيِيٌّ كريمٌ، يستحيي من عبدِهِ إذا رفعَ يديهِ إليهِ، أن يردَّهُما صِفرًا)) رواه أبو داود وصححه الألباني. فكل من خضع تحت مظلة عبودية الدعاء نال من ربه خيراً.
 
ولكن قد يكون بين الدعاء وبين الإجابة حاجز اصطنعه العبد من خلال حياة البعد عن الله، والفسق، والفجور، والعصيان، فهنا تقف هذه الموانع تدفع الخير دفعاً عن العبد وعن العباد والبلاد، ولذا نجعل هنا وقفات مع أعمدة موانع إجابة الدعاء على الجملة:
أولاً: قسوة القلب:
قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22].
 
القلوب هي عماد الدعاء ومنشئه فلن يخرج من قلب تصلب فلم يلن لذكر الله ولم ينشرح لطاعة الله، وإن القلوب مغاريف المعتقدات والأخلاق فإذا لم تحمل أسماها وخيرها وأفضلها فإنها قلوب مبغضة عند الله فرماها في وادي الغفلة فكانت من الهالكين.
 
وقلب هذه صفته يُرد دعائه لأنه لا يحمل في طياته عبودية الدعاء ولا يحمل يقين الإجابة فكان دعاء جسد لا روح فيه يقول صلى الله عليه وسلم: ((ادْعُوا اللهَ وأنتم مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلَمُوا أنَّ اللهَ لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافِلٍ لاهٍ)) رواه الترمذي بإسناد حسن
 
فمتى أتى القلب باليقين كانت الإجابة على يقين ومتى كان في وحل الغفلة سقط من عين الله.
 
ثانياً: أكل الحرام:
قال صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناسُ! إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا. وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51] وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [ البقرة: 172]. ثم ذكر الرجلَ يطيلُ السَّفرَ. أشعثَ أغبَرَ. يمدُّ يدَيه إلى السماءِ. يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام. فأَنَّى يُستجابُ لذلك؟)) رواه مسلم.
 
يدان ترتفعان بالعبادة، لكنها ملعونة لأن لحمها وعصبها ودمها قد نبت من السحت فهي يدان لا تستحق إلا النار لما؟ وقد جمع الحال والمقال أسباب الإجابة:
• فرجل أطال السفر في الطاعات من حج وعمرة وجهاد كما ورد في بعض الروايات.
 
• ثم أنه من اجتهاده في الخيرات أهمل ذاته فأدى إلى شعثه.
 
• واستحضر الدعاء وقام حتى بآدابه من مد اليدين وإلحاح واختيار لفظ الرب الذي يدل على الاعتراف بالفضل.
 
كل هذا الصرح العظيم من أحوال ومقام الدعاء، هدمه المطعم الحرام لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب من القول والعمل والمقاصد.
 
ولذا جعل العلماء هذا الحديث من الأحاديث التي تمثل قواعد الإسلام ومبانيه العظام.
 
ثالثاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
جعل الله عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار ودثار أهل الإسلام فلن ولن تقوم لهم قائمة دون هذا الركن العظيم من أركان التمكين والنصر في الأرض.
 
قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].
 
فالخيرية ارتبطت بهذا الركن العظيم، ومن اختاره الله للخير أحبه، ومن أحبه كان مستجاب الدعوة في استجلاب الخيرات ودفع النقمات يوضح ذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيدِه لتَأمرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عن المنكرِ أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعثَ عليكمْ عقابًا منهُ فتدعونهُ فلا يَستجيبُ لكمْ )) رواه الترمذي وحسنه.
 
هذا قسم تحذير لأهل الإيمان من النبي صلى الله عليه وسلم وقسم توكيد لأهل الشك والريب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام الأمة من البلايا والعقوبات والآصار، فإذا ارتفع رفع الله معه الإجابة.
 
وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - والله - معصية ينزل على الأفراد بلاها كما تنزل على الجماعات على حد سواء.
 
رابعاً: الدعاء بإثم أو قطيعة رحم:
قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يزالُ يستجابُ للعبدِ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ )) رواه مسلم.
 
الدعاء عبادة فلا تصرف في معصية الله عز وجل، فمن دعا لنيل معصية أوصد الله الباب في وجهه رحمة لهذا الجاهل وفضل من الله لهذا الشارد عن طاعة الله لعله يتوب ويسترجع فالله يحب التوابين ويمهل العاصين ويعالج مرضهم بالعطاء تارة والمنع أخرى حتى تستقيم قناتهم على الصراط المستقيم والنور المبين.
 
أقول ما سمعتم واستغفر الله إن الله غفور رحيم.
 
الخطبة الثانية
الحمد لله واهب العطايا ومجزل النعم على البرايا رزقه وسع الخلق وفاض فلله الحمد عدد خلقه ورضاء نفسه ومداد كلماته.
 
والصلاة على البشير النذير صلى الله عليه وسلم أما بعد:
فهذه إشارات ثلاث مما تُجمل الدعاء وتجعله في مقام القرب من الإجابة بإذن الله، وهذه الإشارات بينها حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أحاديث:
الأول: قال صلى الله عليه وسلم: (( يُستَجاب لأحدِكُم ما لَم يَعجَلْ، يقولُ: دَعوتُ فلَم يُستَجَبْ لي )) البخاري.
 
قال مورق العجلي: (( إني ادعو منذ عشرين سنة في أمر لم يجبني ولا أزال أدعو)).
 
ففي قول العبد: (( دعوت فلم يستجب لي )) سوء أدب مع الله إذ يرى العبد أنه قد استحق الإجابة فلم يعطه الله وكأنه ممتن على الله بدعائه، وقد يجول بخاطره فيتهم ربه بالبخل وعدم العدل ونقض الوعد عياذاً بالله.
 
الثاني: قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا أحدُكُم فليَعزمِ المسألةَ، ولا يقولنَّ: اللَّهمَّ إن شئتَ فأعطني، فإنَّهُ لا مستَكْرِهَ لَهُ )) رواه البخاري.
 
عندما تطلب من البشر فإنه رحمة منك بحاله من القلة في العطاء أو أمر طارئ من كره تقول له إن شئت أعطيت أو منعت، وهذا في حق الله غير وارد فإنه يعطي من ملك لا ينفد ومن قوة لا تقهر، فكان ربط المشيئة سوء أدب مع الله.
 
الثالث: قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن سرَّه أن يستَجيبَ اللهُ له عند الشَّدائدِ والكَربِ فليُكثرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ)) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
 
الإقبال في الرخاء إقبال حب للطاعة ورغبة فيما عند الله بانشراح صدر ولذة إيمان، ولذا تكون عبادات الرخاء والسعة منجية للعبد عند البلاء والضيق، لأن المحب لا يترك حبيبه يغرق ثم لا ينقذه وقد فرح بقربه ومنجاته في حال يمكن أن يكون على غير ذلك، فمن صدق مع الله صدقه الله بالعطاء والوفاء والخير.
 
الدعاء:
• اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما ربنا لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا مريضا إلا شفيته ولا ميتا إلا رحمته ولا طالبا أمرا من أمور الخير إلا سهلته له ويسرته.
 
اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واجب دعوتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة قلوبنا.
 
• اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث اللهم اصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
 
• اللهم إنا نسألك لولاة أمورنا الصلاح والسداد اللهم كن لهم عونا وخذ بأيديهم إلى الحق والصواب والسداد والرشاد ووفقهم للعمل لما فيه رضاك وما فيه صالح العباد والبلاد
 
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسُنَّةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
 
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].
 
سبحان ربِّنا رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/101860/#ixzz4O77MhdOZ

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

تابع الجديد
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square