Please reload

مواد نصية أخرى

خطبة رمضان

November 8, 2016

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الملك المعبود. ذي العطاء والمن والجود. واهب الحياة وخالق الوجود.

الذي اتصف بالصمدية وتفرد بالوحدانية

الحمد له لا نحصى ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه حيث كان ولم يكن هناك وجود.

نحمده تبارك وتعالى ونستعينه فهو الرحيم الودود.

وأشهد أن لا إله إلا الله الحي الحميد.

ذو العرش المجيد. الفعال لما يريد.

 

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ذو الخلق الحميد. والرأي الرشيد. والقول السديد. بلغ الرسالة وأدى الأمانة فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد:

فقد أقبل ضيف المؤمنين والمؤمنات.

أتى شهر الصيام والقيام والتهجد والسحور.

أتى شهر القرآن والاعتكاف وليلة القدر.

أتى شهر من حرم فيه الخير فقد حرم، ومن جاهد نفسه وصل إلى مرتبة التقوى.

وهي أعظم مقصد للصوم وهي الحكمة العظمى من الصيام.

 

قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

آية تطمئن الأمة أن الصيام إنما كتب عليها ليس تحريماً لما أباح الله لها ولكنه كتب عبودية توصل إلى التقوى الذي من لوازمه ما قاله علي رضي الله عنه بقوله: ((الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضى من الدنيا بالقليل)).

 

فالصائم يتقي المحرمات ويسعى لفعل الخيرات فهو يمارس التقوى في ليله ونهاره.

فهو على منهج: أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر.

 

وإن المرء ليترقى في رمضان في هذا السلم وهذا السبب الموصل إلى الله حتى يكون كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام.

 

وقد أوجزها الحسن بقوله: المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض الله عليهم.

 

وأنزلها عمر بن عبدالعزيز رحمه الله على الصيام فقال: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير.

 

وقد نقول فما المنهج وما الطريق العملي الذي نسلكه لتمام الصيام وقطف ثمرته بالليل والنهار؟

 

الجواب في حديث الصيام جنة:

قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " قال اللهُ: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصيامَ، فإنَّه لي وأنا أُجْزي بهِ، والصيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَهُ فلْيقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لَخَلوفِ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ، للصائمِ فَرْحتانِ يفرَحْهُما إذا أَفطرَ فَرِحَ، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومِهِ". البخاري (1904)

 

هذا أعظم حديث في الصيام يجعله واسطة العقد بين الأركان، ومن أجل الوقوف على مرتكزات وأعمدة هذا الحديث نقلبه على صورة مسائل:

المسألة الأولى قوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها فقال العلماء إنما خص الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس.

 

وقيل: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصيام، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.

 

والعبادة إنما تعظم ويزيد من شأنها ما حجبت عن الناس وكانت مع رب الناس.

 

المسألة الثانية قوله: (الصيام جنة): والجنة ما يتقي به المرء لإبعاد الضرر عن جسده والمناسبة هنا قيل: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات.

 

المسألة الثالثة قوله: (فلا يرفث) والمراد بالرفث الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها. لأن هذه مما تفسد أو تشغل عن الطاعات وتقطع طريق القربات.

 

المسألة الرابعة قوله: (ولا يجهل) أي: لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.

 

المسألة الخامسة قوله: (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فلْيقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ) وقد نقل الزركشي أن المراد بقوله: " فليقل: إني صائم " مرتين؛ يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه عنه.

 

المسألة السادسة قوله: (والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) أقسم على ذلك تأكيدا واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام.

 

واختلفوا في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح الكريهة فقيل: المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك، يؤيد هذا رواية: ((أطيب عند الله يوم القيامة ")).

 

المسألة السابعة قوله: (للصائمِ فَرْحتانِ يفرَحْهُما إذا أَفطرَ فَرِحَ، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومِهِ")).

 

الفرحة الأولى: فرح بزوال جوعه وعطشه، حيث أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي، وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه.

 

والفرحة الثانية: عند لقاء الله فيفرح بجزائه وثوابه.

 

اللهم بلغنا رمضان ووفقنا لصيامه وقيامه إيماناً واحتساباً واجعلنا فيه من المتقين أقول ما سمعتم واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.

• • •

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار وبعد:

إن رمضان ليعلمنا أموراً نجتزئ منها قواعد أربع هي في ذاتها طريق المؤمن إلى الحق وإلى طريق مستقيم:

الأولى: كيف تكون تقيا فمن كان لله تقياً كان لله ولياً، وهذه الثمرة تجمع بين سعادة الدنيا بالعمل الصالح وسعادة الآخرة باب الريان.

 

الثانية: حصول مغفرة الرحمن قال صلى الله عليه وسلم: ((لمَّا رقيتُ الدَّرجةَ الأُولَى جاءَني جبريلُ فقال: شقِيَ عبدٌ أدركَ رمضانَ فانسلخَ منهُ ولَم يُغْفَرْ لهُ فقلتُ: آمينَ.))

 

الثالثة: تعلم وتعود اليد على الجود والبذل والكرم ((كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أجودُ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ))

 

الرابعة: تعويد النفس وحملها على الصبر قال صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة ناصحاً له: ((صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ومن كلِّ شهرٍ ثلاثَةَ أيامٍ))

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسُنَّةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.

 

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، ونفِّس كربَ المكرُوبِين، واقضِ الدَّيْنَ عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ صاحبِ الوجهِ الأنور، والجَبين الأزهَر، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

 

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

 

سبحان ربِّنا رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/spotlight/0/97568/#ixzz4PR2lUMog

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

تابع الجديد
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عطية بن عبدالله الباحوث

تم بحمد الله افتتاح الموقع غرة رمضان 1433 هـ