الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عطية بن عبدالله الباحوث

تم بحمد الله افتتاح الموقع غرة رمضان 1433 هـ

Please reload

مواد نصية أخرى

تنفيذ الحدود وأثره في الحفاظ على الأمن

November 8, 2016

 

 

مقدمة:

أربع لا تقوم الدنيا والحياة إلا بها: عدل وإقامة حد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر عندها يأتي ويتغشى دولة الحق أمن يحقق العبودية لله والاستخلاف في هذا الكون.

 

وإن تطبيق الشريعة عبودية لله وليست القضية نشاطاً أو فكرة أو اختياراً بشرياً، بل منهج رباني يجسد قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾ [الأنعام: 162، 163]. وإذا أردنا أن نبدأ ففي المقام الأول ورأس الأمر، العدل..

 

لماذا العدل؟ لأنه أساس الملك وبه تعيش الأمة العبودية لله ويخلق بينها الود والوئام وتحقق الانتاجية ويسود الأمن. والعدل قضية تجمع بين الرحمة والحزم بصورة دقيقة فعند الوسائل تجري فيها عنصر الرحمة للوصول للحق وعند التنفيذ يكون الحزم.

 

وبالعدل قامت السماوات والأرض، وانبنى عليه أمر الكون ولذا كان من العدل محاربة من حارب دين الله وشرعه وسعى ليفسد في الأرض.

 

قال الله جلَّ وعلا: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِي ﴾ [المائدة: 33، 34]

 

فكل من سعى بالإفساد قتلا وتفجيرا وتحريضاً بوجه يحرمه الشرع استحق العقوبة المناسبة لحاله، وبهذا فقط يستقيم الأمر وينعدل المعوج.

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم )) ا.هـ.

 

ولا حكم بغير العدل، ولا يرضا الله إلا بالعدل، وأمر الله ونهيه عدل، فمن أخذ بالعدل أطاع خالقه وأغاظ شياطين الإنس والجن.

 

قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].

 

بل من أقام العدل أعطاه الله لباس التقوى لأنه حمل لواء الإسلام على نور من السنة والبيان ولو أقامت الدنيا ضده فإن التقي لا يغلب أبداً.

 

قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8].

 

ومن اتصف بالعدل كان له شأن في الآخرة ومقام تشرئب له الأعناق وتتمناه نفوس أهل الطغيان فلا تجده أبداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله: وذكر منهم ( إمام عادل ) الحديث متفق عليه. قال العلماء لماذا الإمام العادل وصل لهذه المنزلة؟ فقيل لأنه يمكنه أن يطغى ويظلم فما منعه من ذلك خوف بشر وإنما خوف من رب البشر.

 

وقد قيل إن عمر بن عبدالعزيز الأمام العادل قال عندما كتب أحد الولاة إليه يطلب منه مالاً كثيرًا ليبني سورًا حول عاصمة الولاية، فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم.

 

وفي إقامة الحدود الشرعية التنفيذ العملي للعدل بل هي ثمرته وعموده فبها ستدفع الفتن وتقمع وسائل الفساد ويقضى على التعديات.

 

وإن إقامة الحدود على نور من الله يعني حيات الأرض وعمارتها وزينتها أخرج ابن ماجة في سننه وابن حِبَّان في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا)) هذا لفظ ابنِ ماجة. قال المنذري رَحِمَهُ اللَّهُ: "رواه الطبراني بإسناد حسن، فالخير المعنوي لا يجاريه الخير المادي وفي كل خير، لكن الرزق والعطاء يخص وقد يعم، وأما الخير المعنوي فيعم ويخص ويدوم حال الحياة وبعد الممات، وإن إقامة الحد هو حياة للناس قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179] فإذا أخذ الحاكم على يد المفسد صلح أمر الناس وعاشوا فعملوا وانتجوا، وإذا بقي الفساد وطغى المفسد تلذذ المفسد بطغيانه وشقي أهل الخير في زمانه.

 

وفي قوله تعالى ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ [النور:55] يظهر أعظم قضية وأجمل مبتغى من إقامة الحد ألا وهو التمكين والنصر والحدود في إقامتها تتصف في تنفيذها بأنها نابعة عن إيمان وفعلها عمل صالح وعبودية لله. وهنا نقف على حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو أرحم الناس بالناس في هذا الجانب، ففي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ نَاس مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ المَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلاَمِ، فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ، «فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، «فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ» انظر إلى القوة والحزم في التنفيذ وهو رد صريح على من انتكست فطرته وذلك عندما يطالب بحق الجاني وينسى الحقوق التي أهدرت على المجني عليهم، فهذا صحابي يجتهد في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقره على ذلك ففي خيانة بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم للدولة الإسلامية حكم سعدٌ بن معاذ رضي الله عنه أن يُقتَلَ الرَّجال، وتُسبَى الذُّرِّيَّةُ، وتُقسَمَ الأموالُ، وأقرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا القضاءَ الحازِمَ قائلًا لسَعدٍ: (لقد حكَمت فيهِم بحكمِ اللهِ مِن فوقِ سبعِ سماواتٍ) ولم يبق محارب إلا قطع رأسه فلا مجال ولا مجاملة عند المصالح العامة وكيان الدولة وأمنها.

 

ولضمان مجتمع آمن جعل الشرع جهازاً لم تعرفه الدنيا ولم تعترف به قوى الإلحاد والشر بل عرفه العلماء الربانيين والولاة الصالحين، الجهاز الذي يحافظ على أمر عده العلماء الركن السادس من أركان الإسلام، جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو ما يعرف بالحسبة في الفقه الإسلامي فهو شعار الأمة وخيريتها ورصيدها الباقي إلى أن تقوم الساعة وعزها وتمكينها.

 

قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

 

قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأنه لا يتحقق إيمان صادق ولا يوجد استقرار ولا قوة ولا ملك ولا خلافة في الأرض إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [ سورة الحج: 41].

 

بالأمر بالمعروف تنغرس شجرة الإيمان فيكون أصلها في الأرض بالتمكين وفرعها في السماء بالتوفيق والنصرة والسداد لذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ )).

 

بما سبق ومع الصدق والإخلاص ومتابعة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم نجني أعظم ثمرة تنتجها شجرة الإسلام الوارفة والتي تعطينها غذاء لكل محب للخير والإسلام والسلام، تعطينها ريحانة الدنيا وعطرها العبق تعطينا الأمن الذي كان دعوة الخليل لهذا البلد فقال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ ﴾ [البقرة:126].

 

فالأمن قبل الرزق فكيف يهنأ لك منام أو طعام أو شراب وأنت لا تأمن على نفسك أو مالك أو عرضك، بل إن الأمن يحقق العبودية على وجهها المطلوب.

 

قال تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش:3، 4]. أمرهم بالعبادة لتحقق مقومات وركائز ومعينات العبودية طعام يقيم الصلب وأمن يريح القلب.فالأمن هو خير مما أشرقت عليه شمس الحياة: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا " [ رواه الترمذي وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ].

 

وإذا أردنا بحق وصدق تحقيق وقطف ثمرة العدل فلن يكون ذلك إلا بثلاث عند الخلاف بيننا نرجع إلى قوله تعالى ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [ النساء 59 ]. وعند الأمر والنهي نرجع لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59] وهذه الطاعة للولاة في غير معصية الله وعند الفرقة والشتات نرجع لقوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

 

هذه المنظومة المتكاملة المترابطة يسجلها الإسلام قواعد الهدى للخلق جميعا ويضع لها قاعدة من اخذها فقد فاز (العدل منبعه ومورده الصافي إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثمرته ونتاجه أمن سابغ للفرد والمجتمع والدولة والعالم).



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/97250/#ixzz4PSpdY4Cp

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

تابع الجديد
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square