الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عطية بن عبدالله الباحوث

تم بحمد الله افتتاح الموقع غرة رمضان 1433 هـ

Please reload

مواد نصية أخرى

خطبة عن العفو

November 8, 2016

 

الخطبة الأولى

الحمد لله العفو الغفور... لا تنقضي نعمه ولا تحصى على مر الدهور...

وسع الخلائق حلمُه مَهما ارتكبوا من شرور...

سبقت رحمته غضبه من قبل خلق الأيام والشهور...

يتوب على من تاب ويغفر لمن أناب و يجبر المكسور...

نحمده تبارك و تعالى حمد القانع الشكور...

و نعوذ بنور وجهه الكريم من الكفر والفجور...

وأشهد أن لا إله إلا الله جعل الظلمات والنور...

خلق سبع سمواتٍ طباقاً ما ترى فيها من تفاوت أو فطور...

و أشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله

المرفوع ذكره في التوراة و الإنجيل في الزبور...

المزمل بالفضيلة والمدثر بالطهر والعفاف و المبرأ من الشرور...

إمام العفو صلى الله عليه وسلم.

 

أما بعد:

فإن الخلق بحاجة إلى التسامح والعفو حاجتهم إلى الطعام والشراب إذ الثاني قوام البدن والأول قوام الروح وقد زكى الله النفس بالبلاء وأعطاها فسحة بالعفو وغشاها بالرحمة.

 

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

 

قال علي رضي الله عنه: وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه؟ 

قلنا يبقى الكثير وهذا الكثير قيل من المعاصي وقيل من العصاة فلا يعجل لهم العقوبة وهذا فضل الله وقد أحس السلف هذا المعنى فقد أصيب ابن سيرين بغم بعد أن ركبه دين فقال: إني لأعرف هذا الغم هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة وعلى هذا فلا يخلو ذنب المؤمن إما يكفر عنه بالمصائب أو يعفو الله عنه.

 

وأما ابتلاء الأنبياء وأهل الصلاح الخلص فالمصائب لهم من باب الامتحان في التكليف.

 

وانظر وتأمل كيف المنهجية العظيمة لنبينا صلى الله عليه وسلم للنيل الدرجات العلى والمقام الأسمى وحسن الرعاية ففي الفتح العظيم لمكة يقف وقوف الخاشع لربه وتنطلق منه كلمات لم يسمع ولم يسطر التاريخ مثلها قال:

يا معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ!! قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه.: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ. الراوي: - المحدث: الألباني. المصدر: فقه السيرة الصفحة أو الرقم: 382. خلاصة حكم المحدث: ضعيف.

 

إن الهدف الذي رسمه المصطفى صلى الله عليه وسلم مس شغاف قلبه واستقر عقيدة راسخة لا يحطمها مخالطات المتفلسفة ولا طغيان الحمقى ولا شنشنة النفاق.

 

ولذا لم يتردد صلى الله عليه وسلم أن يطلقها وبكل علو ووضوح لا تثريب يحرج الكرام ولا إهانة تكسر قلوب القادة العظماء لتبقى قريش رايات الدعوة والجهاد.

 

وليتحقق موعود الكريم المنان ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3].

 

رغم الجهاد ورغم العفو ورغم الدماء التي سالت في سبيل الله فقد أمره الله أن يطلب عفوه ومغفرته فالكل محتاج والكل تحت رحمته سبحانه وتمجد.

 

ويتعلم الصحابة الكرام من المعلم الكبير صلى الله عليه وسلم العلم والعمل ففي حديث الإفك: ((قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه: واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: 22] قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي. فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال: والله لا أنزعُها منه أبدًا...) البخاري.

 

يأخذ الرجال شيء من مضايق الحياة فتضيق عليه نفسه فيتفجر هذا الضيق عن أمور لا ترضي الباري عز وجل.

 

فيأتي الإيمان فينقل المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن الجور إلى العدل.

 

ويأتي الحزم فيأخذ بالنفس إلى الدرجات العلى وينتشلها من وحل الجاهلية فتزكو عند ربها.

 

ولذا نزلت الآيات على قلب أبي بكر برداً وسلاماً وغيثاً سقى وأورى وبقي فأنبت (والله لا أنزعها منه أبداً) يا له من صديق هذه الأمة. 

 

الصديق وصاحبه ورفيق دربه في الدعوة والجهاد الفاروق فقد كانت بين أبي بكرٍ وعُمَرَ محاورةٌ، فأغضَب أبو بكرٍ عُمَرَ، فانصَرَف عنه عُمَرُ مُغضبًا، فاتَّبَعه أبو بكرٍ يَسأَلُه أن يستغفِرَ له فلم يَفعَلْ، حتى أغلَقَ بابَه في وجهِه، فأقبَل أبو بكرٍ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقال أبو الدَّرداءِ: ونحن عِندَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أما صاحبُكم هذا فقد غامَر). قال: وندِم عُمَرُ على ما كان منه، فأقبَل حتى سلَّم وجلَس إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقصَّ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخبرَ. قال أبو الدَّرداءِ: وغضِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجعَل أبو بكرٍ يقولُ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، لأنا كنتُ أظلَمُ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (هل أنتم تارِكونَ لي صاحِبي، هل أنتم تارِكونَ لي صاحِبي، إني قلتُ: يا أيُّها الناسُ، إني رسولُ اللهِ إليكم جميعًا، فقلتُم: كذَبتَ، وقال أبو بكرٍ: صدَقتَ). الراوي: أبو الدرداء - المحدث: البخاري.

 

انظروا رحمكم الله كيف غضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأي العفو والصفح يترك لأمر في النفوس أو لشيء من الدنيا.

 

غضب عندما يرد أصحاب الصدق والبذل والإنفاق ويتصدع أيوان التسامح.

 

ماذا يعني لو زل الكريم؟ إنها هفوة في مسيرة المعالي فلا ضير.

 

أيها الناس فليكن العفو شعار الكرام للكرام فالمُعطِي محق والمُعطَى مستحق.

 

 

قيل للأحنف: ممَّن تعلمتَ الحِلم؟ قال: مِن قيس بن عاصم المنقري، رأيتُه قاعدًا بفناء داره، محتبيًا بحمائل سيفِه، يُحدِّث قومه، حتى أُتي برجل مكتوف، ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قَتَل ابنَك، فوالله ما حلَّ حُبوتَه، ولا قطع كلامه، ثم التفتَ إلى ابن أخيه، وقال: يا ابنَ أخي، أسأتَ إلى رَحِمك، ورميتَ نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمِّك، ثم قال لابنٍ له آخر: قُمْ يا بني، فحلَّ كتاف ابن عمِّك، ووارِ أخاك، وسُقْ إلى أمِّه مائةَ ناقة دية ابنها، فإنها غريبة).

 

وقد كانت العرب لتسعد بالعفو وتفخر به أعظم من سعادتها بتلطيخ الأيدي بالدماء البريئة.

 

ليس عاصم بالذليل لكن الجرح قد وصل إلى العظم لكن لم يكسر كرم الرجل ولا حكمته ولا عقله.

 

فلما ضاقت أخرجها من أوسع أبوابها.

وهل يسع الكرام إلا العفو. 

أقول ما سمعتم واستغفروا الله إن الله عفو غفور.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله العفو الكريم.

غافر الذنب التواب الرحيم.

 

وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين.

 

أما بعد:

فهذا أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه كان سيداً في الحلم والعفو والكرم روي ((أنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ لما قدم على رسول الله قال: ((وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُنْزِلَنِي إِيَّاهُ، فَخَرَجْتُ وَخَرَجَ مَعِي حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ: يَا وَائِلُ، إِنَّ الرَّمْضَاءَ قَدْ أَصَابَتْ بَاطِنَ قَدَمَيَّ فَأَرْدَفَنِي خَلْفَكَ، قُلْتُ: مَا أَضِنُّ عَنْكَ بِهَذِهِ النَّاقَةِ، وَلَكِنْ لَسْتَ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُعَيَّرَ بِكَ قَالَ: فَأَلْقِ إِلَيَّ حِذَاءَكَ أَتَوَقَّى بِهِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ قَالَ: مَا أَضِنُّ عَنْكَ بِهَاتَيْنِ الْجِلْدَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَسْتَ مِمَّنْ يَلْبَسُ لِبَاسَ الْمُلُوكِ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُعَيَّرَ بِكَ، ‏:‏ انتعل ظل الناقة‏.‏ قال‏:‏ وما يغني ذلك عني ?‏!‏ قال معاوية فما مر بي مثل ذلك اليوم قط والله لخلته أنه من جهنم ونزل وائل الكوفة في الإسلام، وعاش إلى أيام معاوية ووفد عليه فأجلسه معه على السرير، وذكره الحديث‏.‏ قال وائل‏:‏ فوددت أني كنت حملته بين يدي‏)).‏

 

إن العفو مما يصلح الحال ويجمل به المقال ويعلي الرجال ولكنّ عفواً لا يُصلح ليس بعفو..

 

قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40 ].

 

فرتب أجر العفو أن يحدث إصلاحاً لنفوس الكرام ويضع حداً لأهل الزيغ والفساد.

 

وليس هذه مما يدركه أي أحد بل لا بد من عالم بصير يقدر العفو ويأمر به أو ينهى عنه.

 

وإن العفو بذل ليس بعفو بل يجب عليك أن تضع حدا لكل سافل ساقط فإذا قدرت فأنت صاحب العفو والكرم.

 

لن يندم من عفا مهما خسر في ظنه من أمور الدنيا.

العاقبة الحميدة والذكر الحسن لأهل العفو.

جميل الذكر وطيب الكلام وأزكاه لأهل العفو.

 

وأهل العفو زينة الدنيا وأهل المنازل في الآخرة، فماذا بقي لأهل الانتقام والجفاء؟

 

 

اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا يا كريم.

 

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك العليا ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا ونحن عبيدك الضعفاء، فاقصف من يظلمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

 

اللهم اعنا ولا تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا.

 

اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واجب دعوتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة قلوبنا.

 

اللهم إنا نسألك لولاة أمورنا الصلاح والسداد اللهم كن لهم عونا وخذ بأيديهم إلى الحق والصواب والسداد والرشاد ووفقهم للعمل لما فيه رضاك وما فيه صالح العباد والبلاد.

 

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/97356/#ixzz4PSnpkeEr

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

تابع الجديد
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square