الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عطية بن عبدالله الباحوث

تم بحمد الله افتتاح الموقع غرة رمضان 1433 هـ

Please reload

مواد نصية أخرى

خطبة مالفقر أخشى عليكم

January 22, 2017

ما الفقر أخشى عليكم 

الخطبة الأولى 

الحمد لله رب العالمين على كل حال ... المتصف سبحانه بالعزة والعظمة والجلال ...

القيوم الحق الأزلى الدائم بغير زوال ...المتفضل على عباده بجلائل النعم الكبير المتعال

نحمده تبارك وتعالى كما أثنى على نفسه فالحمد منه وإلى جنابه واصل ...

> ونعوذ بنور وجهه الكريم من الفتن فى عاجل أمرنا والآجل ...

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره 

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله كريم الخصال ...

> الطاهر المطهر الموافق فعله لما سن وقال ...

دعوة الخليل و قرة عين إسماعيـل وبشـرى ابـن البتـول ...صلى الله عليه وسلم ما أشرق نور وذكر الذاكرون في المساء والبكور  وعلى آله وصحبه الأطهار            أما بعد 

 

 

مقدمة 

الفَقرُ والغِنى مِحْنتانِ مِنَ اللهِ تعالى وبَلِيَّتانِ يبلو بهما أخيارَ عِبادِه؛ لِيَظهرَ صبرُ الصَّابِرينَ وشُكْرُ الشَّاكرينَ ، وإذا أردنا البيان فلا أفضل من مجلس المصطفى صلى الله عليه وسلم نستمع فيها أروع الكلام ، وصدق خير الأنان ، ونصح أطهر من مشى على الأرض وسار ومع المجلس الفخم المفخم : 

حديث عمرو بن عوف المزني : ((  أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ إلى البحرَينِ يأْتي بجِزْيَتِها، وكان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صالحَ أهلَ البحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاَءَ بنَ الحضْرَميِّ، فقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمالٍ مِن البحرَينِ، فسمعتِ الأنصارُ بِقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ، فوافوا صلاة الفجر معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما انصرف تَعَرَّضوا لهُ، فتبَسَّمَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين رآهم، ثم قال : (أظُنُّكم سمِعْتُم أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشَيءٍ) . قالوا : أجل يا رسولَ اللهِ، قال : ( فأبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهلكتْهُم )) رواه البخاري ومسلم .

ــ في رواية : وتُلهيكم كما ألهَتهم " .

ـ نقف مع هذا الحديث لنطرح مسائل منها : محبة المال

ـــ أن هناك أمور فطرية وغرائز ربانية وضعها الله ابتلاء للبشر ، وجعل لكل غريزة مصرفين مصرف مذموم ، ومصرف محمود ، فالمال وحبه والفرح به أمر جبلي ينتج عنه في صورته الطبيعية استعماله في طاعة الله وهذه قناة يكتسب فيها الإنسان عافية في البدن وأجر في العمل ، ومن هذا حديث : ((  وإنك مهما أنفقتَ من نفقةٍ فإنها صدقةٌ، حتى اللقمةَ التي ترفعها إلى في امرأتِك )) رواه البخاري 

وأما من اكتسبه من حرام وانفقه في قنوات الحرام فاسمع ماذا قال عنه الرسول الكريم : (( إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ وإنَّ رجالًا يَتخوَّضونَ في مالِ اللَّهِ ورسولِهِ بغَيرِ حقٍّ لَهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ) صحح ابن حجر

 

ما الأفضل الفقر أم الغنى ؟

هذا سؤال خطير المقام لأنه يحدد ربما مسيرة العمر ، ولن يكون الجواب صواباً ما لم ننظر بمنظار الشريعة لأنها تصور لنا الدنيا والآخرة ، وتضعهما في الميزان الذي به ينال المرء حظه ونصيبه :

قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى } { أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى  ) فقرن الطغيان بالغنى 

وقال تعالى : ((﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مدحهم بأنها لا تلهيهم، لكنهم في شغل مع التجارة 

حديث : ((اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الكسلِ والهرَمِ والمغرمِ والمأثمِ اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من عذابِ النَّارِ وفتنةِ النَّارِ وفتنةِ القبرِ وعذابِ القبرِ وشرِّ فتنةِ الغنى وشرِّ فتنةِ الفقرِ.. )) البخاري 

ــ ومن هنا وإن كان الفقير أقرب إلى السلامة ومضرة فقره مضرة دنيوية في الغالب ، وهو منصرف عن الدنيا والمنافسة فيها فهو ممدوح من هذا الوجوه 

فإن الغني له مكانته في نفع الناس وقضاء حوائجهم والصرف على قنوات الخير فنفعه متعدي فهو ممدوح من هذا الوجه 

ـ والتحقيق أن يقال الغني الشاكر المنفق في الخير المتكسب من أوجه الحلال خير وما عدا ما ذكر فالفقر خير قال عمر بن الخطاب‏:‏ (( الغنى والفقر مطيتان، لا أبالى أيتهما ركبت )) والمعنى طالما التقوى ملازمة للمرء فالحال التي يتقي فيها خير له . 

خذ من الرزق ما كفى                        ومن العيش ما صفا 

كل هذا سينقضي                               كسراج إذا انطفا 

 

انصراف النبي صلى الله عليه وسلم 

لقد انصرف صلى الله عليه وسلم ليمارس التطبيق العملي لآيات القرآن قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

ووجه الخسارة المذكور في الآية أن إ يثار الدنيا على الآخرة يتضمن طلب المال أو غيره من حظوظ الدنيا من غير حله، ويؤدي إلى الشح وإلى البخل بما أوجب الله ولذا كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستعيذُ مِنَ الفقرِ، ويُحذِّرُ مِن فِتنةِ الغِنى والمالِ .

ــ ليس قصد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك، انصراف أمته عن كسب المال من وجوهه الشرعية، وصرفه في أبوابه الشرعية، فهو يعلم صلى الله عليه وسلم ما للمال من خطر في قوة الإسلام والمسلمين، وغير ذلك من أعمال البر والخير، فهذا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما أرباب المال والغنى نصروا الدعوة بأموالهم ووعدوا وبشروا بالجنة أثر هذا الانفاق  ، فقصده صلى الله عليه وسلم كما مضى ما يترتب عليه من الطغيان والتنافس المؤدي إلى الهلاك.

 

 

 

 

 

تبسمه صلى الله عليه وسلم

تبسمه صلى الله عليه وسلم يبعث الأرحية في نفوس الآخرين ، ويفتح لهم فرصة العرض والطلب ، ويرفع مؤنة السؤال والحرج .

هكذا كان نيبنا صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال الناس ويتلطف بهم حتى يكونوا على سعة وعلى رغبة في قبول هذا الدين .

الابتسامة التي ادخلت الناس في الدين وثبتتهم على صراط رب العالمين ، الابتسامة التي كان يطلقها صلى الله عليه وسلم في وجوه الناس لتعبر عن خلق عظيم زكاه رب العالمين 

يقول جرير بن عبدالله البجلي : ((ما حجَبني النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنذُ أسلمْتُ، ولا رَآني إلا تبَسَّم في وَجهي، ولقد شَكَوتُ إليه أني لا أَثبُتُ على الخيلِ، فضرَب بيدِه في صدري وقال : ( اللهم ثبِّتْه، واجعلْه هاديًا مَهديًّا ) .رواه البخاري . 

 

عدم نكارة من أقبل من أجل المال 

لم ينكر صلى الله عليه وسلم إقبال الناس من أجل المال ، خاصة وقد سمى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] وقال: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} 

قال ابن رجب : (وفي ذلك دليل على: أن المال ليس بخير على الإطلاق بل منه خير ومنه شر من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر))

ولكن الإنسان يصبر في حال دون حال كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.

ـ إذن لا يثرب من أحب المال حباً طبعياً وقد نوى في نفسه وعزم ألا يأخذه إلا من حله ولا يصرفه إلا في حله .

ــ اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم . 

 

 

الخطبة الثانية 

الحمد لله منزل الكتاب وهازم الأحزاب وناصر الأولياء وقاهر الأعداء أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعية إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً أما بعد 

الموعظة وتحين وقتها ونوعيتها 

الداعية الموفق من ينتقي العبر ويضعها في زمانها ومكانها وحالها المناسب لها كما كان يفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد انتقى العبرة موافقة لما في الكتاب 

قوله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ ﴾ أي: بنصيبهم ﴿ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

ـ ثم وجد نفوساً قد تهيأت لسماع ما يقال لها ، ووجد الحال تقتضي البيان فأرسل البيان فكان كصيب أصاب أرضاً جفت من مائها وخلت من سكانها فأعاد لها الحياة الطيبة التي بها سعادة الدنيا وفوز الآخرة .

وهذا التوازن بين سهولة العطاء والتحذير من عاقبة الفرح بالدنيا يجعل للإنسان فرصة للتفكير والتفكر ومن هذا التفكر ما قاله ابن بَطَّالٍ : (( أَنَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا يَنْبَغِي لِمَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا وَشَرِّ فِتْنَتِهَا فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى زُخْرُفِهَا وَلَا يُنَافِسُ غَيْرَهُ فِيهَا )) ج11 ص245

 

تحقق النبوة 

وقدْ وقَعَ ما أخْبَر به صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إذ فُتِحتْ الدُّنيا بعدَه وبُسِطتْ، وحَصَل التحاسُدُ والتقاتُلُ وما هو مَعروفٌ ممَّا يَشهدُ بمصداقِ خبرِه صلَّى الله عليه وسلَّم.

يقول خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ، رضي اللَّه عنه، قال: "هَاجَرْنَا مَعَ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَلْتَمِسُ وَجهَ اللَّه تعالى فَوَقَعَ أَجْرُنا عَلى اللَّه، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يأْكُلْ مِنْ أَجرِهِ شَيْئاً. مِنْهُم مُصْعَبُ بن عَمَيْر، رضي اللَّه عنه، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنا بهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنا رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلى رجْليهِ شَيْئاً مِنَ الإِذْخِرِ. ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ. فَهُوَ يَهدبُهَا" [البخاري ومسلم.]

ــ هذا النصح الذي عرف به سيد المرسلين وخيرة الخلق أجمعين قال ابن علان الصديقي : "... قال الطيبي: لأن الأب الدنيوي يخشى على ولده الفقر الدنيوي، والأب الديني يخشى على ولده الفقر الديني"))

ــ لم يبخل صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس بنصحه للناس وكان يريد لهم الباقي وذلك بدفع الفاني له ثمناً رحمة بهم وشفقة عليهم ومحبة لهم وحسن صحبة وطيب معشر وخير قدوة وأعظم عبودية في الدعوة إلى الله .  

 

 

 

 

الدعاء 

ــ اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك العليا ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا

ــ اللهم عرفنا نعمك بدوامها ولا تعرفنا نعمك بزوالها اللهم اختم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا واجعل إليك اعتمادنا ومآبنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا

ــ ــ اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار ياحي ياقيوم برحمتك نستغيث اللهم اصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك

ــ ــ اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ اللهم أولات أمورنا و وفق بالحق إمامنا و ولي أمرنا يا رب العالمين . 

ــ اللهم اكف المسلمين كيد الكفار ومكر الفجار وشر الأشرار وشر طوارق الليل والنهار ياعزيز ياغفار

ــ (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ))[البقرة: 201].

سبحان ربِّنا رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

تابع الجديد
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square